الشيخ محمد رشيد رضا
110
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
[ العاشرة ] نهيه عن الاعجاب بأموالهم وأولادهم وإعلامه بأن اللّه يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة ، وهو في الآيتين 55 و 85 على القول بأن الخطاب فيهما له صلّى اللّه عليه وسلّم ويجوز أن يكون عاما لكل من يسمع القرآن أو يقرؤه ، وهو على كل تقدير تأديب من اللّه تعالى وتكميل للنبي والمؤمنين بالسمو بأنفسهم عن تعظيم شأن قوة الأموال وعزة الأولاد وزينتهما يكونان للمحرومين من قوة الايمان وعزته وهما اللتان لا يعلوهما شيء - وتعليمهم ما لم يكونوا يعلمون من أن النعم الصورية الدنيوية لا تتم لأهلها النعمة بها الا باطمئنان القلوب بنعمة الايمان ، وتزكي الأنفس باعمال الاسلام ، وان السعادة الحقيقية انما هي سعادة النفس بالعلم والعرفان وعلو الاخلاق ، ومن متمماتها الدنيوية كثرة الأموال والأولاد ، وان هؤلاء المنافقين بفقدهم لهذه النعم الباطنة ، لاسعادة لهم بتلك النعم الظاهرة ، وانما هي منغصات لهم في الدنيا نفسها بما بيناه في تفسير الآيتين [ في ص 484 و 574 ج 10 ] ( الحادية عشرة ) توبته تعالى عليه وعلى خيار أصحابه المؤمنين وهذا منتهى التطهير والتزكية لهم من ربهم عز وجل في اثر غزوة تبوك التي أرهقوا فيه أشد العسر ، وقاسوا أعظم الجهد ، من الجوع والظمأ والنصب ، ومفارقة موسم الرطب ، في شدة الحر ، وقلة الزاد والظهر ، [ الرواحل ] فكان لا بد أن يعرض لهم بعض الهفوات الجديرة برأفة اللّه ورحمته في جانب تلك الحسنات ، التي أشير إلى مضاعفة أجرها فيما يلي الاخبار بالتوبة عليهم من الآيات ، وهو قوله عز وجل [ 117 لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ] ثم ذكر فيما يليها توبته على الذين خلفوا من هؤلاء الصادقين عن تبوك بغير عذر [ حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ] الخ والتوبة من العبد إلى ربه هي رجوعه اليه عن كل ما لا يرضيه وتحريه ما يرضيه وهي تختلف باختلاف حال التائبين فيما يتوبون عنه حتى أن منهم من يتوب اليه ويستغفره من الغفلة ، ومن التقصير في استكمال الجهد في الطاعة وأما التوبة من الرب على عبده فهي قبول توبته ، والتجاوز عن ذنبه أو هفوته ،